محمد عزة دروزة
311
التفسير الحديث
من ألقى نفسه في النار ، وإفهام النبي صلى اللَّه عليه وسلم على سبيل التطمين والتسلية أنه ليس من مهمته إرغام هؤلاء على الإيمان ولا هو بمستطيع ذلك . ويلفت النظر إلى الآية [ 18 ] وما في شطرها الأول بخاصة من قوة التنويه والتلقين والمدى . فذو العقل السليم واللب الطيب هو الذي يتروى في كل ما يسمعه ثم يتبع ما يكون فيه من الصواب والهدى دون أن يؤثر فيه غرض وهوى . ولذلك فإنه يصح أن يكون من تلقينات القرآن العامة المدى والاستمرار في صدد من يتروى فيما يسمع ويتبع الصواب منه وفي وجوب ذلك . ولقد روي ( 1 ) أن الآية [ 17 ] نزلت في إسلام عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد اللَّه والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد الذي تمّ على يد أبي بكر ، كما روي أنها نزلت في زيد بن عمرو وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي رضي اللَّه عنهم جميعا ، ويلحظ أن الآية منسجمة مع السياق قبلها وبعدها انسجاما تاما وأن معظم الذين ذكرت الرواية أسماءهم أسلموا منذ عهد مبكر ، ومنهم من أسلم في العهد المدني مثل أبي ذر وسلمان في بعض الروايات . على أن هناك من قال إنها بقصد التنويه بالمؤمنين بصورة عامة ( 2 ) . وهو الأوجه لا سيما أنه لم يرو أحد أنها نزلت لحدتها وإنما هي من سلسلة تامة متصلة السياق بما قبلها وما بعدها على ما هو المتبادر . ولقد روى البغوي بطرقه في سياق الآية الأخيرة حديثا عن أبي سعيد الخدري قال : « قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم إنّ أهل الجنّة يتراؤن أهل الغرف من فوقهم كما تتراؤن الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا : يا رسول اللَّه تلك منازل الأنبياء لا يبلغهم غيرهم ؟ قال : بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللَّه وصدّقوا المرسلين » . وأورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن علي قال : « قال رسول اللَّه : إنّ في الجنة غرفا يرى بطونها من ظهورها
--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والطبرسي والخازن وابن كثير . ( 2 ) المصدر نفسه .